الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
290
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
فحينئذ نقول : المراد من العلم الذي فسّرت الحكمة به العلم اللإحاطي الذوقي ، مقرونا بما يرتبط به من العمل ، وهذا في كلّ شيء بحسبه ، بيانه : أن العلم منشأ لجميع الكمالات . منها : الحكمة والحصة المحصلة منه للحكمة ، هو العلم الذي حقيقته إحاطة النفس بجهات العمل ، من حيث اشتماله على النظم الكامل والمصالح المترتبة منه الموجبة لكماله ، ولذا يكون هذا العلم مرتبطا بالعمل ، لظهور أثره في العمل كما لا يخفى . ولذا يعبر عن هذا العلم بالعلم الذوقي ، إذ الذوق يحصل أثره فيما استعمل فيه ، فهم عليهم السّلام معادن الحكمة المفسرة بالعلم بهذا المعنى وهم عليهم السّلام مفاتيح هذه الحكمة ، كما تقدم عن حديث خثيمة ، وفي المحكي عن المجلسي الأول في شرح هذه الجملة ما لفظه كما ورد متواترا عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم والأئمة عليهم السّلام أنه قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : " أنا مدينة العلم وعلي بابها ، " وعلومهم علومه ، والحكمة هي العلوم الحقيقية الإلهية ، ولا ريب في أن علومهم عليهم السّلام من اللَّه تعالى بل عين علم اللَّه ، انتهى . والمراد منه إما أن معلوماتهم عين معلومات اللَّه تعالى بلا تفاوت بينهما ، أو المراد أن علومهم جعلها اللَّه تعالى عين علمه تعالى بهم عليهم السّلام وبمن دونهم من ساير الخلق . ثم إنه لا يراد أن علمه تعالى وعلمهم عين الآخر بالتساوي ، بحيث يكون كلّ ما علمه تعالى عين ما علموه وبالعكس فإن هذا غير صحيح ، لاستلزامه انحصار علمه تعالى بما علموه ، وهذا يستلزم انتهاء علمه مع أنه لا نهاية لعلمه تعالى . ففي توحيد الصدوق قال رجل بمحضر الصادق عليه السّلام : الحمد للَّه منتهى علمه قال عليه السّلام : " لا تقل هذا فإنه ليس لعلمه منتهى بل قل : منتهى رضاه " . نقلته بالمعنى ، بل المراد أن كلّ ما علموه عين علمه تعالى فيما علموه ، لا أن كلّ ما علمه تعالى عين ما علموه مصداقا بنحو الكلية ، فبين علمه تعالى وعلمهم